الشيخ الأميني

302

الغدير

إلى ما منعتهم ؟ فاسأل الله الصبر والنصر ، واستعذبه من الجشع والجزع ، فإن الصبر من الدين والكرم ، وإن الجشع لا يقدم رزقا ، والجزع لا يؤخر أجلا . ثم تكلم عمار مغضبا فقال : لا آنس الله من أوحشك ، ولا آمن من أخافك ، أما والله لو أردت دنياهم لأمنوك ، ولو رضيت أعمالهم لأحبوك ، وما منع الناس أن يقولوا بقولك إلا الرضا بالدنيا والجزع من الموت ، ومالوا إلى ما سلطان جماعتهم عليه ، والملك لمن غلب ، فوهبوا لهم دينهم ومنحهم القوم دنياهم ، فخسروا الدنيا والآخرة ، إلا ذل هو الخسران المبين . فبكى أبو ذر رحمه الله وكان شيخا كبيرا وقال : رحمكم الله يا أهل بيت الرحمة ! إذا رأيتكم ذكرت بكم رسول الله صلى الله عليه وآله ، مالي بالمدينة سكن ولا شجن ، غيركم ، إني ثقلت على عثمان بالحجاز كما ثقلت على معاوية بالشام ، وكره أن أجاور أخاه وابن خاله بالمصرين ( 1 ) فافسد الناس عليهما فسيرني إلى بلد ليس لي به ناصر ولا دافع إلا الله ، والله ما أريد إلا الله صاحبا ، وما أخشى مع الله وحشة . ورجع القوم إلى المدينة فجاء علي عليه السلام إلى عثمان فقال له : ما حملك على رد رسولي وتصغير أمري ؟ فقال علي عليه السلام : أما رسولك فأراد أن يرد وجهي فرددته ، وأما أمرك فلم أصغره ، قال : أما بلغت نهيي عن كلام أبي ذر ؟ قال : أو كلما أمرت بأمر معصية أطعناك فيه ؟ قال عثمان : أقد مروان من نفسك . قال : م ذا ؟ قال : من شتمه وجذب راحلته . قال : أما راحلته فراحلتي بها ، وأما شتمه إياي فوالله لا يشتمني شتمة إلا شتمتك مثلها لا أكذب عليك . فغضب عثمان وقال : لم لا يشتمك ؟ كأنك خير منه ؟ قال علي : أي والله ومنك . ثم قام فخرج فأرسل عثمان إلى وجوه المهاجرين والأنصار وإلى بني أمية يشكو إليهم عليا عليه السلام فقال القوم : أنت الوالي عليه وإصلاحه أجمل . قال : وددت ذاك . فأتوا عليا عليه السلام فقالوا : لو اعتذرت إلى مروان وأتيته . فقال : كلا أما مروان فلا آتيه ولا اعتذر منه ، ولكن إن أحب عثمان أتيته . فرجعوا إلى عثمان فأخبروه فأرسل عثمان إليه فأتاه ومعه بنو هاشم فتكلم علي عليه السلام فحمد الله وأثنى عليه

--> ( 1 ) يعني مصر والبصرة ، كان والي مصر عبد الله بن سعيد بن أبي سرح أخا عثمان من الرضاعة وكان على البصرة عبد الله بن عامر ابن خاله كما مر ص 290 .